عبد الوهاب الشعراني

155

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

ليلى وأظمأت نهاري وكان رضي اللّه عنه يقول الغفلة عن اللّه تعالى أشد من دخول النار وكان يقول إذا رأيت الفقير فلا تبدأه بالعلم وابدأه بالرفق فإن العلم يوحشه والرفق يؤنسه وكان يقول كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن حضور وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات . وكان يقول من أشار إلى اللّه تعالى وسكن إلى غيره ابتلاه بالمحن وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه فإن انتبه وانقطع إلى اللّه وحده كشف اللّه عنه المحن وإن دام على السكون إلى غيره نزع اللّه من قلوب الخلائق الرحمة عليه وألبسه لباس الطمع فيهم فتزداد مطالبته منهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم فيصير حياته عجزا وموته كمدا وآخرته أسفا ونحن نعوذ باللّه من الركون إلى غير اللّه ، وكان يقول أكثر الناس بالآفات أكثرهم آفات وسئل رضي اللّه عنه عن العارف فقال إن لون الماء لون إنائه أي هو بحكم وقته . وكان يقول مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة وسئل عن قرب اللّه تعالى ؟ فقال بعيد بلا اقتراب قريب بلا التزاق وكان يقول من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فلا يلقى الناس فإن هذا زمان وحشة فالعاقل من اختار فيه العزلة وجاءه رجل مرة بخمسمائة دينار فوضعها بين يديه وقال فرقها على جماعتك فقال ألك مال غير هذا قال أتطلب زيادة على ما عندك قال نعم فقال له الجنيد خذها فإنك إليها أحوج منا ولم يقبلها . وكان رضي اللّه عنه يقول الشكر فيه علة لأن الشاكر طالب لنفسه به المزيد فهو واقف مع اللّه تعالى على خط نفسه بالشكر ولكن الشكر ألا ترى نفسك أهلا للرحمة وكان رضي اللّه عنه يقول المريد الصادق غنى عن علم العلماء ، وإذا أراد اللّه بالمريد خيرا أوقعه إلى الصوفية ومنعه صحبة القراء وكان يقول التصوف أن تكون مع اللّه تعالى بلا علاقة وتارة يقول هو عنوة لا صلح فيها ، وتارة يقول هم أهل بيت لا يدخل معهم غيرهم وكان رضي اللّه عنه يقول إذا رأيت الصوفي يعبأ بظاهره فاعلم أن باطنه خراب وكان يقول لقيت إبليس يمشى فوق السوق عريانا وبيده كسرة خبز يأكلها ، فقلت له أما تستحي من الناس ؟ فقال يا أبا القاسم وهل بقي على وجه الأرض أحد يستحى منه من كان يستحي منهم تحت التراب قد أكلهم الثرى . وسئل رضي اللّه عنه مرة عن التوحيد الخالص فقال أن يرجع آخر العبد إلى أوله فيكون كما كان قبل أن يكون وكان يقول التوحيد الذي انفرد به الصوفية هو إفراد القدم عن الحدث والخروج عن الأوطان وقطع المحارب وترك ما علم وجهل وأن يكون الحق